«رسوم أطفال الحرية»… براءة الدم

نُشر في الحياة بتاريخ 17 آذار 2012

لندن – زينة إرحيم
رسومات أطفال الحريةسكّين، مقص، حبل، ومأخذ كهربائي تصدر عنه شرارات بلون أرزق تطير فوق جسد رجل ثبّت بالسلاسل على حائط لتتدلى من قدميه كرتان من حديد، ويشيح بوجهه المجرّح عن رجل مبتسم خلف القضبان يرتدي زيّاً عسكرياً. «الحريّة في سجون الأسد»، هو عنوان لوحة رشا، ابنة التسع سنوات، رسمتها في حيّها في باب الدريب بحمص لتشارك بها في معرض «رسوم أطفال الحرية» في لندن.

ولندن هي واحدة من المدن العالمية التي هُرّبت إليها لوحات الأطفال السوريين لإحياء الذكرى الأولى للثورة السورية، إضافة إلى باريس وفانكوفر وتورونتو وشيكاغو، فيما ألغت السلطات الأردنية المعرض الوحيد المُنظّم في عاصمة عربية، هي عمّان، قبل ساعات من افتتاحه «بطلب من فوق» كما قيل للمنظّمين.

تغلب على لوحات الأطفال الأربعمئة المشاركين في المعارض، وجوه حزينة ودموع بيضاء، إضافة إلى اللون الأحمر… للدم طبعاً. فيما لم يستخدم بعض الصغار الألوان، كما بشرى (14 سنة) من دوما في ريف دمشق، وهي في الرابعة عشرة من عمرها، إذ اكتفت برسم أفراد أسرتها وأخيها الباكي في بطن أمّه الشفّاف، مع الكثير من السواد، وعبارة: «أبي ليس هنا، أخذه بشار».

مرّ التفاؤل بخجل على لوحات بعض الأطفال، ليبرز عند مجد (8 سنوات) ويقيم في حمص، فقسم صفحته نصفين، ليرسم في الأول كرة صغيرة ترميها يد على تلّة ترابية أسماها «حريّة»، وفي النصف الثاني شجرة تحمل ثمار «الأمان»، «حرية الرأي»، «العدالة»، «الكرامة»، «الأخـوة»، وفــوقها جمـيعاً «رئيـس يحبّ الشعب».

ولم يغب عن الأولاد السوريين أيضاً انتقاد إعلام النظام. فمن المعضمية في ريف دمشق، رسمت هبة (13 سنة) جسداً ينزف من الرقبة، الرجل يلامس كاميرا قناة «الدنيا» التي تتجاهله لتصوّر جندياً سعيداً بلباسه المموه هاتفاً: «الله، سورية، بشار، وبس».

حضر أطفال درعا وريفها. أحمد (10 سنوات) رسم مقتل والده بخطوط بسيطة. جندي غاضب يسدّد سلاحه إلى رأس رجل راكع، لكنه مرفوع الرأس، وتحته صورة بشار الأسد. تخرج من فم الجندي كلمة: «اركع»، فيردّ الرجل: «لن أركع إلا لله».

مجازفات

مرّت اللوحات الملونة بمغامرات عدة قبل أن تحطّ رحالها في المعارض المختلفة. بدأت المجازفات بورش الرسم التي أقيمت داخل سورية. يقول أحد المنظمين: «خاف الآباء من إرسال أولادهم للمشاركة، ولا ألومهم، خصوصاً أننا أردنا مشاركة الأطفال الذين يعيشون في مناطق تتعرض للحملات العسكرية والأمنية ليرسموا واقعهم. والصعوبة الكبرى كانت إيجاد مكان آمن للأطفال كي يرسموا». المغامرة الثانية تجلّت في تهريب اللوحات إلى عمّان، على رغم خطورة التعرض للاعتقال، وتم ذلك بالتنسيق مع فريق «ميثاق سورية».

مدير المشروع، الذي فضل عدم ذكر اسمه، قال: «كان يمكن بضع أوراق ملونة أن تؤدي بحاملها إلى الاعتقال والتعذيب وربما التصفية على أيدي أشرس أجهزة قمع في العالم». لكن ثمة لوحات تمتعت بالأمان، إذ شاركت في المعارض أيضاً لوحات أطفال لاجئين في طرابلس في شمال لبنان، وفي عمّان ومخيمات اللاجئين في تركيا.

مريم قرحوف، من إدلب، تعيش منذ أشهر في مخيم في تركيا. رسمت «باسم»، الشخصية الكرتونية في كتاب القراءة للمرحلة الابتدائية، وقد استشهد، لتكتب دماؤه «أحب سورية»، فيما ارتمت دفاتره وأقلامه على الأرض.

ومن عالم آخر، وبألوان فرحة وطفولية، رسم أطفال بريطانيون لأقرانهم السوريين تعاطفاً في شكل أقواس قزح وزهور وحدائق وأدوية.

رعت معرض لندن تنسيقية إدلب في جدة، والهيئة العليا للإغاثة ممثلة بشريكها البريطاني جمعية «هاند إن هاند»، وريع المعرض لدعم المستشفيات الميدانية في إدلب وريفها، فيما يتوزع ريع المعارض الأخرى لدعم المستشفيات الميدانية في أنحاء سورية.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف رسومات أطفال الحرية, غرفة الإعلام. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.