بشار العيسى: هناك مثقفون ‘حرس جمهوري’ وهناك مثقفون ‘شبيحة’!

نشرت في القدس العربي بتاريخ 12 آذار 2012

بشار العيسىلندن ـ ‘القدس العربي’: زار الفنان التشكيلي السوري بشار العيسى مدينة لندن للمشاركة في فعاليات معرض ‘رسوم اطفال الحرية’. غادر العيسى سورية مطاردا من أجهزة الأمن عام 1980، متنقلا بين عدد من البلدان وصولا الى استقراره في فرنسا. يزاوج العيسى دوما بين صورة الفنان وصورة الناشط السياسي، او هو في منزلة بين المنزلتين. لم أستطع بعد تفحًص هذه العلاقة بين أشكال لوحاته والوانها وبين اندفاعاته السياسية. في لوحاته نمسك البيئة الفلاحية التي قدم منها كأن اللون هو من عجينة تلك التربة وثياب اهلها وتموّجات ارواحهم، اما في مقارباته السياسية فنجد نقداً يطاول كل شأن وشخص.
في حواري الموجز هذا أحببت ان اتلمس بعض الأسئلة المتعلقة بالمعرض الذي شارك فيه وبشؤون المشهد الفني السوري، اما اسئلتي الأكثر عمقا فخبأتها لوقت أكثر هدوءا.
‘ مساهمتك في المعرض كانت لافتة. من اين تأتي أهمية رسوم اطفال سورية في هذه المرحلة برأيك؟
‘ أهميتها تأتي من ان انها مبادرة لنشطاء شباب سوريين موجودين، حاليا، في الخارج يحاولون بكل الطرق والوسائل الممكنة ان يكونوا موجودين الى جانب الحراك الشعبي بآليات ثقافية وابداعية مساهمة في الثورة او في تخفيف معاناة أهلنا المهجرين من فئة الاطفال وهم الاكثر تضررا وتأزماً، فضلا عن ان هذه الانشطة قد تساهم في تسليط الاضواء على معاناة الشعب السوري وتفعيل الانشطة الخارجية للمغتربين السوريين او المنفيين وخلق فسحة اعلامية لدى الرأي العام الاوروبي تكسر هذه العزلة التي حاولت السلطة عرضها على الاعلام.
‘ ما اكثر ما لفت نظرك برسومات الاطفال؟
‘ الهم السياسي الحاضر في ذهن الاطفال كما هو حاضر في ذهن الكبار. كل لوحة هي عبارة عن معسكرين واحد للسلطة وواحد للأهلين. فضاء للدبابة وفضاء للعمران. فضاء للاطفال المقتولين وفضاء للطلقة الخارجة من البندقية. فضاء لعلم الاستقلال وفضاء لعلم السلطة. هذه الثنائية كأنها تنطق برأي سياسي يقول انه لم يعد هناك من مكان للتصالح ما بين الثورة والسلطة. هذا اكثر شيء لفت نظري. افكار الكبار واحاسيسهم ووعيهم مرسوم بوسائل طفولية.
‘ ماذا عن الكبار. اين الفنانين السوريين من الحدث الهائل الذي يحصل في سورية الآن؟
‘ للآن. لا شيء. ما عدا محاولات اعلامية اعلانية تحاول ان تكسر صمت الستة شهور الاولى. حيث غاب الفنانون والمثقفون غيبة كبيرة عن الثورة. والآن تحدث محاولات ركض للالتحاق بالثورة او الانفصال عن السلطة بنجومية تريد ان تقول نحن موجودون كنجوم، دون ان نغفل ان حدثا بحجم الثورة السورية فيها كل هذا القتل وهذا الدمار وهذا القهر ربما هي اكبر حدث يحصل في بلادنا بعد الحرب العالمية الثانية، وهو يشبه ما حدث في فيتنام وفي كمبوديا مع ميزة العنصر المدني في مواجهة الاستبداد. هذا الحدث يحتاج الى وقت ونضوج خاص ليخرج في صورة اعمال تعبيرية غير اعلانية وغير اعلامية، لكن هذا لا يمنع ان يحضر المثقفون ومنهم الفنانون هذه الثورة بقوة اخلاقية كبيرة، واقول اخلاقية لأن هذا هو الحد الأدنى الذي تتطلبه الأمانة في الانتماء الانساني. قناعتي ان هذه الثورة ستتبدى لاحقا في اعمال فنانين شباب يعيشون هذه الثورة في سخونتها. قد يكون من النادر السرعة التي استطاع فيها فنان مثل سميح شقير الارتقاء بالموسيقى والكلمة الى جلجلة الدم السوري في اغنيته ‘يا حيف’ تحديداً. وربما يعود الفضل في هذا الى ان الثورة تدفق الدم فيها في حوران لأن لها خصوصية لدى سميح.
‘ يبدو ان الثورة السورية لم تخضّ الحاضر فقط ولكنها فتحت بوابات الماضي كله. لنتحدث فقط من ناحية الفن. ماذا فعل النظام السوري خلال 50 عاما بالفن في سورية؟
‘ استطاع الفن طويلا والفنانون طبعا الصمود في مواجهة سلطة القمع حتى منتصف الثمانينات او التسعينات حين بدأ الافساد. احيانا تعجز السجون ويعجز القمع عن ترويض فنان او اديب لكن مكافأة مالية او منصباً ما او ايحاء ما بمكافأة تشبه الصحن تستطيع ان تشوه وتغري فنانا وكاتباً وتسطح شاعراً. فترة الافساد التي بلغت ذروتها في عهد سلطة بشار الاسد عبر مروجين ماليين في تحويل الفنانين الى بهلوانات في سيرك تجاري فانتفخت محافظ النقود بأموال الفورة النفطية التي تم ضخها في سوق الفن فجعلت من فنانين كبار تبعا لهذه الدار او تلك سورية او عربية، وهذا أكثر ما شوّه المحترف السوري وقبله العراقي. هذا التشوه جعل من الغواية قوة روضت القيم الاخلاقية للفن والفنانين في متعة الثراء.
‘ قبل مرحلة الافساد التي تتكلم عنها، هل كانت هناك هوية خاصة تميز الفن السوري برأيك؟
‘ منذ بداية السبعينات حضر جيل شاب للمحترف السوري بمعايير اخلاقية تحاول ان تحرر الفن من المهنة وتجعل من الابداع مهمة ذات معيارين: اخلاقي وبحثي. جيل السبعينات هذا حرّض مجموعة من الفنانين المخضرمين فشكلوا مجتمعين نقلة نوعية في اللوحة السورية وفي المحترف السوري الذي كان اسير محترفات تعيد انتاج لوحة اوروبية مدرسية، وهكذا غدت اللوحة السورية اضاءة لمحلّية (مناخ والوان وتقنيات) ناتجة عن خبرة وتبصر في البيئة السورية فخلقت ابجدية جديدة لونيا ومناخياً للوحة تشبه الجغرافيا السورية فخرجت اللوحة من اسر المحترف الى فضاء الطبيعة ولا اقصد بالطبيعة المنظر الطبيعي وانما التربة والانسان حين صارت تتنفس هواء الفضاء السوري وهنا حدثت فورة حضور الريف في المدينة وحضور الاطراف الى العاصمة ولا اغالي اذا قلت ان القسم الاعظم من المبدعين السوريين ينتمون الى الاطراف وليس الى المدن الكبيرة التي قبلت طويلا ان تبقى في ظل بيروقراطية وظيفية.
‘ تشتت كثير من المبدعين السوريين خارج الجغرافيا السورية. هل ضاع جهد هؤلاء ام اضيف الى مشهد الابداع السوري واثر في الداخل؟
‘ سأرجع مرة اخرى لمرحلة الافساد. حين طال البقاء خارج الجغرافيا السورية بالمبدعين واضمحلت تقريبا جرعة الأمل باستعادة الوطن السوري عاد البعض كعودة الفراشة التي تنشدّ الى النار لتحترق. جر الافساد بعضا من الفنانين السوريين وأخص هنا الفنانين لأن الافساد لم يشمل الادباء بالدرجة نفسها الى محرقة الفراشة التي تمحورت في صالات تجارية. تحرر البعض منها بسرعة حين اكتشفوا رائحة الشواء في صدورهم وغرق اخرون حين طغى الاحساس بالنقود على الاحساس بالاخلاق. هذه العودة واسميها التجارية التي فقدت الثقة بقدرة الناس على التحرك خيبت آمال جيل شاب كان ينظر اليهم كرموز مقاومة للافساد والسلطة. أتت هذه الثورة لتعطي الذين فقدوا الثقة بنا الحقّ بالاعتقاد ان الرموز كان يجب ان تبقى تعطي للاجيال جرعة الأمل التي اعطاها اطفال حوران ودرعا للشعب السوري في هذه الثورة النبيلة، وما ينطبق على الفنانين ربما ينطبق بصورة اوضح على المحترفين السياسيين.
‘ قامت روابط سورية للكتاب والصحافيين والفنانين كنوع من التأسيس المدني المفتقد للمجتمع السوري الذي بني على صورة السلطة: بيروقراطية محكومة أمنياً ومالياً، ما تقييمك لهذه المبادرات وكيف نضمن تفعيلها لتكون على صورة مناقضة لصورة السلطة البشعة تلك؟
‘ قناعتي كانت ان هنالك كل المشروعية لأن تقوم وتنشأ هذه الروابط منذ سنوات. تأخرها الى الشهر السادس او التاسع من الثورة يعكس بدرجة ما ضعف الحيوية في هذه الاجساد التي تشكلت منها هذه الروابط ومع ذلك ان تأتي متأخرا افضل من ان لا تأتي ابدا شرط ان لا يتوقف الامر على الاعلان عن التشكيل وان تنتقل الى الفعل اليومي ليس في مناقضة منظومات وروابط السلطة وانما في انجاد الثورة وتفعيلها والحضور بالطاقات التي تتوفر لهؤلاء المبدعين على كافة تخصصاتهم ليسمحوا ان اقول ان حضورهم في الحد الادنى، الجهاد بالنفس او بالنية الحسنة، في حين انني ارى في البلاد السورية تشكل روابط مهنية اطباء محامون مهندسون صيادلة نشطاء حقوق انسان يؤدون دورا ميدانيا اكثر فاعلية وربما يوجد ادباء بينهم ولكنني لا اعرف ان كانوا موجودين ام لا.
‘ ارى ان على هذه الروابط ان تفعل رؤيتها ميدانيا، وقناعتي انه لا يجوز لها ان تغرق في النقابية المهنية وان تنفتح على الطاقات الشبابية والا ترتفع عنهم وتحرمهم المشاركة فهؤلاء هم من سيحملون الامانة مستقبلاً.
‘ انا على تواصل مع شباب الداخل وهؤلاء فاعلون بطريقة رائعة في كل الاشكال الابداعية. صحيح انهم يعملون بحرفية اقل ودون اسماء لامعة ولكنني اقف مشدوها امام القدرة الهائلة التي بثتها كفرنبل بلوحاتها الاعلانية التي بدأت مدينة عامودا ترد لها التحية باعلان سياسي يمتلك كل القيم الفنية نصاً ورسماً وحضوراً بديهيا للروح الشعبية للثورة ونضوجا سياسيا عاليا يفتقده حتى الساسة المخضرمون. ومثال على ذلك الموقف من وليد جنبلاط الذي انحاز الى الثورة السورية وفي حين نظر الوسط السياسي السوري للمسألة بعدم تقدير فان حمص رفعت لافتة تقول: الاستاذ وليد جنبلاط شكرا على الموقف ونطلب المزيد.
هذا الوعي السياسي نحتاج جميعاً الى ان نتعلم منه والا نخجل الا نتحول الى تلاميذ على مقاعد الثورة السورية.
‘ انت معروف بحدتك في تشخيص ونقد الواقع والاشخاص. اضافة للاعباء الباهظة التي تتكبدها الثورة السورية عربيا ودوليا وداخليا فان معاناتها مع ‘شيوخ’ و’عجائز’ المعارضة لا تقلّ كلفة. ما رأيك في المعضلة الحالية هذه؟
‘ حدتي تأتي رغماً عني لأنني صدقاً اقول حين اتكلم او اتصرف اقيس سلوكي على رد فعل والدتي وشقيقاتي الذين جعلتهم ينتظرون عشرات السنين ابنا وأخا. كما انني اقيسها على عشرات الشباب الذين ساهمت ككادر في الحزب الشيوعي المكتب السياسي في مسؤوليتي عن ذهابهم الى السجون 10 سنوات واكثر. الوفاء لهذا الارث يحتم علينا جميعا ان نتخلى عن انانية ذاتية جعلت من ‘الشيوخ’ مصيبة الثورة وعبئا على كاهلها. مرت سنة ولم نستطع بعد ان نندرج في صفوفها وان نقبل بمعاييرها ونتحلى بصبر شبابها وتضحيات اطفالها ونسائها. ان نرد الوفاء لمن اعاد الحياة لنا بالثورة واعطائنا فرصة اخرى لاداء دور ما زلنا قاصرين فيه بسبب امراضنا المتراكمة وتكلساتنا العقائدية وتسطحنا الفرداني او العصبوي. قناعتي تقول ان دورنا نحن الشيوخ المعرقل للامل ونحن من وثقت بنا الثورة في كل منظوماتها تجعل من دورنا المعرقل ربما اكبر من دور العرب والدول الغربية لأننا في كل ما صدر منا الى اليوم لم نقدم لهذه الثورة شيئا مهما، لا بل نشوش عليها ونحاول ان نسطو عليها ونحيلها الى صراعات جانبية ورؤى لم ننجح فيها قط ونأبى ان نتعلم من هذا الجيل الذي اعطانا كل هذه الفرص وحين اقول نحن اقصد: هيئة التنسيق والمجلس الوطني والقوى المشكلة فيها احزابا وافرادا مثقفين وكوادر وملحقات هاتين الكتلتين.
‘ فوجئنا بأشخاص مثل نزيه ابو عفش الذي هاجم الثورة وهاجم المثقفين المساندين لها. ما تفسيرك لهذا التموضع الغريب والمفاجئ لأشخاص بنوا تاريخهم على كونهم متمردين وثوارا؟
‘ من تجربتي مع هذه السلطة وغيرها من السلطات ان لها هيئة اركان ثقافية واحدة رسمية واخرى غير رسمية مثلما لديها حرس جمهوري وشبيحة منظمة. لديها مثقفون بيروقراطيون يؤدون خدمات وشبيحة مثقفين (ثوريون شكليون) اثبتوا منذ الثمانينات انهم في خندق الدفاع عن السلطة بحجة طهارة الثورة، وضع في خانة هؤلاء من تشاء من اسماء، مثقفين ام سياسيين مفكرين ام متفكرين، ماركسيين ام قوميين. انهم متطوعون لمواجهة كل تغيير يلغي دورهم النجومي او يحيلهم الى التقاعد المبكر.

التقاه: حسام الدين محمد

معرض رسومات اطفال الحرية يستمر حتى يوم الجمعة من هذا الاسبوع، وسوف يحيي المعرض ذكرى الثورة السورية الاولى بعرض فيلم تم تصويره داخل سورية، وشريط غنائي تم انتاجه في الداخل ايضا، واعمال يدوية قامت بها سيدات في ادلب، وذلك في صالة عرض مركز بهافان الثقافي الهندي 4a Castletown Road اقرب محطة انفاق: وست كنسنغتون.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف رسومات أطفال الحرية, غرفة الإعلام. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.